كيف تحوّلت لحظةُ قلقٍ عابرة إلى أشهر صورةٍ للوحشة الإنسانية؟
"فجأةً تحوّل لون السماء إلى أحمرٍ دمويّ، من فرط تعبي، توقفت واستندت على السياج، رأيت الغيوم تتدلّى فوق المدينة حمراءٌ مُشتعلة مشوّبة بأزرقٍ داكن، واصل صديقاي السير، أمّا أنا فواقفٌ هناك أرتعد خوفًا وقلقًا، حينها سمعت...صرخةً لامتناهية تخترق جدار الطبيعة."
— ترجمتي من مذكرات إدفارد مونك، 1892
هكذا كانت لحظة ولادة أشهر لوحة في التاريخ التي وصفها مونك في مذكراته قبل عامٍ من أن يحوّلها إلى لوحة. رجلٌ يمشي مع صديقين في وقت المغيب، ثم يتأخر عنهما قليلًا. لا بسبب حدثٍ جلل، بل لأنه وقف ساكنًا. ونقطة التوقف هذه كانت كفيلة بتغيير تاريخ الفنّ.
ربما لهذا السبب أحبّ هذه اللوحة.
فهي لا تتحدث عن الكوارث الكبرى التي تغيّر مجرى حيوات، بل عن تلك اللحظات الضئيلة، التي بها يختلّ شيء ما بدواخلنا على حينِ غرّة. لحظةٌ واحدة كفيلة بأن تتلبّد السماء بغيوم داكنة، ويصبح الهواء الذي نتنفسّه له ثقلٍ ووزن، والعالم ممّا حولنا يصبح أقلّ ألفةً.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يثير اهتمامي في اللوحة ليس الهيئة الساكنة الوجلة والذعرّ ينصبّ على ملامحها كالماء، بل الصديقين اللّذين واصلا السير.
هل كان مونك الوحيد الذي سمِع الصرخة المدويّة؟ أم هل كانت موجودة فعلًا؟ أم أنها كانت صرخةً من عمق داخله، ارتدّ صداها على السماء والغيوم والمدينة حتى ظنّ أنها جاءت من الطبيعة نفسها؟
ربما لهذا السبب وحده بقيت اللوحة حيّة لأكثر من قرن؛ لأنها لا تقدّم إجابة لأيّ من الاسئلة السابقة. لا أحد يعرف ماهيّة الأمر الذي أوجل ذلك الرجل ولِمَ بدا العالم من حوله وكأنه ينصهر وتتداخل ألوانه كما صوّرها باللوحة.
كل ما تفعله هو أنها تضعنا مكانه.
لوهلة، نحن الواقفين عند السياج.
ويجثم على صدورنا شعور الوحدة، وحدة أن ترى شيئًا لا يراه الآخرون.
أن تظل واقفًا بينما يسير العالم من حولك تجاه الطريق المنشود.
ولهذا، حين أنظر إلى اللوحة، لا أرى شبح رجلٍ يصرخ.
بل رجلٌ يستمع إلى ذلك الصوت الخافت الذي يمرّ أحيانًا في حياة البشر جميعًا؛ صوت القلق، والوحشة، والأسئلة التي لا صوت يردّ عليها ولا جواب.
ذلك الصوت الذي سمعه مونك في تلك الأمسية البعيدة، لا زال يتردّد في آذان البشر بعد أكثر من قرن.


فعلا احب هذه اللوحه كثيرا دائما ما اشعر ان مهما نظرنا إليها لن نفهمها و دائما أفكارنا ستنتهي بعلامه استفهام