عندما كنت أصغر، كان هناك سؤالٌ يتردّد في رأسي، بالأخص منذ أن بدأت أتعلّم القراءة والكتابة.
لِمَ لا نتحدّث بالفصحى؟ ولمَ لا نتحدث بالشكل الذي نكتب به ونقرأه؟ وعند أيّ نقطةٍ زمنية آل حديثُنا إلى هذه اللهجات التي تشكّلها الجغرافيا، والبيئة، والجماعة؟ وهل اختفت الفصحى تمامًا؟
تساؤلاتٌ لعلّها كانت أكبر من طفلٍ في ربيعه السابع، لكنني لطالما كنت مولعةً بفكرة اللغة وأصول الكلمات.
وعندما كبرت، وبدأت أجالس كبار السنّ وأرخي سمعي لهم، أدركت أن الفصحى لم تتلاشَ قط، وأنها لا تزال عالقةً بأطراف ألسنتنا دون أن نشعر، وأننا نحمل منها أكثر ممّا نظن.
ذلك الاندماج بين الفصحى واللهجة العامية خلق لهجةً رنّانة، عصيّةً على الابتذال، ومفرداتٍ تحمل في طيّاتها رقّةً وتهذيبًا لا ينضبان.
مثلًا، إحلال عبارة «مالك لوا» بدلًا من الرفض الحاسم القاطع، وكأن أبسط أشكال الرفض غير لائقٍ بنطقه والتلفّظ به.
وقد يظنّ بعضكم أن «لوا» أو «لوى» ليست سوى كلمةٍ مستحدثة، لكنها مذكورة في المعاجم العربية، وتأتي من الليّ والإلواء؛ أي الإعراض والمخالفة. كلمةٌ فصيحة، لم تغادر ألسنة الناس، وإنما اختارت أن تعيش بينهم بصوتٍ مختلف.
وفي مواضع أخرى يومية، يتجلّى هذا التهذيب في اللفظ. فعندما أتناقش مع والدي في أمرٍ ما، وبدلًا من أن يقول: «أخالفك في هذا الرأي»، يردّ عليّ ببساطة: «ما يخالف».
حتى وإن كان رأيه يخالف رأيي من جميع زواياه وإسقاطاته، إلا أن بوسع هذه الكلمة دائمًا أن تهزمني، وأن تكون بمثابة المصافحة في وسط النقاش.
حتى في أبسط المسمّيات، ثمة كلماتٌ غير متداولة، لكنها تحمل نغمًا خاصًا، ويلتفّ بها خيطٌ من معنًى شاعريٌّ بهي.
فالبدو يسمّون الغيم الخفيف الذي يعلن تباشير الشتاء «النوّ»، وهي مشتقة من «النوء»، الذي يدل في العربية على ميل النجم للغروب، إذ كان العرب يتباشرون بالمطر عند رؤيته.
وكذلك قوس المطر، الذي أشارت إليه جدتي يومًا بقولها: «تنعومة». وهي التسمية نفسها التي وردت في قول سعد بن جدلان:
كأن في عاتقك مقدم تنعومة الماطر.
ولم يكن هذا الاسم اعتباطًا، بل لأن ظهوره كان بشارةً بالرخاء والنِعم، فصارت التسمية تحمل في ذاتها الأمل قبل أن تصف المشهد.
وكلما أنصتُّ أكثر إلى أحاديث الكبار، ازددت يقينًا أن هذه الكلمات ليست استثناءات متفرقة، بل شواهد صغيرة على أن الفصحى لم تغادر ألسنتنا يومًا، وإنما ذابت في لهجاتنا حتى صرنا ننطقها دون أن نلتفت إليها.
لذلك، لم يعد ذلك الاختلاف في اللهجات والألسن يبدو لي تغيّرًا كما صُوِّر لي عندما كنت أصغر، بل تشعّبًا طبيعيًا للغة العربية الفصحى، لغةٍ اختارت أن تعيش بين الناس بثوبٍ أبسط، ولسانٍ أقرب، وروحٍ لم تفقد بلاغتها قط.
وأخبروني أنتم…
ما الكلمة في لهجتكم التي كلما سمعتموها، شعرتم أن الفصحى ما زالت حيّة؟


أعتقد أن من الضروري أن تكون هناك نهضة لغوية تعيد الاعتبار إلى اللغة العربية الفصحى في مجتمعاتنا، ولا سيما أن شريحة واسعة من الشباب باتت تنظر إلى اللغات الأجنبية على أنها عنوان الرقي والثقافة، في حين تُهمَّش الفصحى أو ينظر إليها باعتبارها لغة جامدة لا تواكب العصر ، نعم تعلم اللغات انفتاح و تثقيف اما التفريط في اللغة والهوية فهو اغتراب
شيء يعجز الواصف عن وصفه مبدعة بارك الله أناملك.