قصيّر..ورزنامةٌ منسية
أجلس بقرب جدّتي وبيني وبينها أربعين سنة تتراقص.
تدنو منّي "كم التاريخ اليوم؟"
أتفحّص هاتفي "اليوم ٩ شعبان."
"يعني دخلنا قصيّر؟"
قصيّر؟
تساءلت في داخلي لكن أجبت. "ايه دخلناه.."
صمتٌ موجز ثم راحت أفكار رأسي تذهب بي لسنينٍ لم أعشها من قبل.
في سنينٍ لم تكن الشهور فيها أرقامًا محفوظة، بل حالات شعورية، تُسمّى بما تُحدثه في الناس من وقع لا بما كُتب في رُزنامة.
وتساءلت بيني وبين نفسي، لِمَ كان شهر ثمانية يحمل مسمّى قْصَيّر بينما نحمله اليوم بمسمّى شعبان؟
ومتى تحوّلت الأشهر من ذِكرى ، إلى اسمٍ يُحفَظ؟
وبعدها قررت.
"جدّة شتسمون شهر شوّال؟"
"شوّال؟"
أوضّح "شهر عشرة، اللي بعد رمضان."
"ايه...كُنّا نسميه إفطار واحد."
"إفطار واحد؟!"
"ايه لأن الشهر اللي بعده نفطر فيه قبل نعوّد نصوم راجعَ"
"أجل شهر ١١ افطار رقم اثنين؟" أقول بتكهّم.
"ايه."
تُجيبني ببساطة.
بساطة من لا يرى في الفكرة غرابة.
أصمت...أنظر بنظرةٍ متعجبة،
لا من الإجابة… بل من الفكرة نفسها.
كيف كانت الشهور تُقاس بما نشعر به، لا بما نسمّيه.
كيف كان الزمن أقرب، وأخف، وأقلّ رسميّة.
وكيف أن كلمة واحدة من جدّتي، كفيلة بأن تجعلني أشعر أن التقويم الذي أحمله في هاتفي… ناقص.
أبدأ بالإسهاب في الأسئلة، أزعجها أكثر، وألحّ عليها أن تخبرني عن بقية أسماء الشهور، ولماذا سُمّيت كذلك.
وبكل صبر، تسرد لي رزنامتهم البسيطة.
رزنامة لم تُكتب على ورق، بل عاشت في ثنايا الذاكرة، وفي المواسم، وفي الصِّيام والفطر، وفي الحرّ والبرد وفي حياة 'فلان'.
إذا نحن تعلّمنا اسماء الأشهر، لكن لم نعرف المعنى الحقيقي خلف كلّ مسمى.
ولكي أكون صادقة معاكم المسميّات القديمة أكثر شاعرية ونغمًا، كأن كان للزمن لغةٌ لم يتسنّى لنا أن نتعلّمها.
ومن الآن فصاعدًا،
أي شخص يسألني عن تاريخ الأيام المقبلة،
سأجيبه دون تردّد
"قصيّر”


اخبرينا بباقي شهور السنة ما اسمها؟