اللقاء الأول مع الصمت
لا تزال الذكرى معلّقة في أطراف عقلي.
كنتُ في الخامسة، أو ربما السادسة، لا أذكر تمامًا.
لكن ما أستحضره بوضوح، هو تلك الساعة الساكنة،
حين كان إخوتي وأبواي نيامًا،
ولا أحد سواي يتجوّل في زوايا شقّتنا القديمة.
كانت أفكاري صاخبة رغم حداثة سنّي،
خيالٌ يسحبني من غرفةٍ إلى أخرى،
يرسم لي أصدقاء من وهم،
نتحدّث، نتساءل، ونضحك أحيانًا.
ثم، سمعت ذلك الصوت…
خيّم عليّ شعور غريب لا يشبه شيئًا مما عرفت.
وللحظة، خُيّل إليّ أنّني الوحيدة في هذا الكون،
فراغ… ووحشة.
تكوّر جسدي كغريزةٍ فطرية للدفاع،
ضممتُ ركبتَي إلى صدري،
ورحت أرتجف في زاويةٍ مظلمةٍ من الشقة،
بالقرب من الباب… ذاك الباب
الذي لم يكن يملك مفتاحه سوى أبي،
ولا يملك إذن عبوره سواه.
أنصتُّ.
حاولت تمييز الصوت من جديد.
وحينها أدركت الحقيقة:
الصوت الذي سمعتُه…
كان صوت اللاشيء.
وبقدر ما كان باهتًا،
أو بالأحرى… معدومًا،
كان صاخبًا في رأسي حدّ الضجيج.
تلك اللحظة،
كانت أولى مصافحاتي مع الصمت.


أمن المعقول انني فوتت لحظة الادراك تلك؟
لطالما كنت قليلة الكلام، افضل الهدوء وتزعجني الاصوات المرتفعة
لكنني لم اعرف ماهية الصمت قط! أمعقول انه رغم الهدوء الذي أعيش فيه فقد الصمت هويته في عقلي، فصار غير مرأي؟
بالنسبة إلى لم يكن لقائي الأول به مُخيفا..كان أشبه بالنَعيم