مشهدٌ مبتور
ها هو الآن أمام البوّابة، لم يعلم كيف جرّته خُطاه إلى هذا المكان ولِمَ هذا المكان بالضبط، شرَع بالانصراف لكن سرَت في جسده رعشة محمومة بعد أن لمَحَت عيناه من خلفِ النافذة أحد الجالسين "لا يمكن!" لبث بضعة دقائق واقفًا جامدًا قبل أن يعزم على الدخول.
فتح بوابة المدخل وأنطلق بسرعةٍ كمن كان على مشارف سباقٍ مصيري.
أريد فناجنًا من القهوة.
حاضِر.. أتريد ماءًا يا سيّد تبدو مرهقًا؟
بدأ الدمّ يتدفق في رأسه واصطبغ وجهه بحُمرةٍ فاقعة
كلّا! لم أطلب منك ولا أريد!
حوّل نظره على الطاولة المنشودة وإذ بها فراغ... لا أحد.ا


أعاد النظر مرّة أخرى نحو الطاولة، لا أحد. لم يخطئ، رآها بعينيه قبل دقائق، تجلس هناك بوشاحها الرمادي المعتاد. اقترب بخطواتٍ متردّدة، لعلها نهضت إلى الحمّام، أو خرجت للحظة. لكن الكرسيّ كان باردًا، كأن لا أحد جلس عليه منذ زمنٍ طويل.
جلس مكانها. نظر إلى النادل وقال بصوتٍ خافت:
"المرأة التي كانت هنا قبل قليل... إلى أين ذهبت؟"
تجمّد النادل، ثم ابتسم ابتسامةً غريبة:
"أي امرأة يا سيّد؟ لم يدخل أحدٌ منذ الصباح."
تسلّل الصمت بينهما كستارٍ ثقيل، وبدأت أنفاسه تتسارع. أخرج من جيبه صورة قديمة، مهترئة الأطراف، يظهر فيها هو وهي أمام ذات النافذة، بذات الطاولة. قال بخفوتٍ مرتعش:
"لكنها كانت هنا، جلست هنا بالأمس... أقسم!"
اقترب النادل وهمس بتردّد:
"سيدي... هذا المقهى أغلق قبل عشر سنوات، نحن افتتحناه من جديد منذ شهر فقط."
نظر حوله في ذهول، فبدت الجدران الحديثة وكأنها تخفي وراءها جدرانًا أخرى، أكثر قِدمًا وحنينًا. رفع الفنجان نحو فمه، فإذا بالقهوة باردة تمامًا. ابتسم وقال في نفسه:
"حتى الذكريات تُقدّم باردة… حين تتأخر في العودة."
جميل جدًا